السيد جعفر مرتضى العاملي

115

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

الحبشة وأمنهم ، ائتمرت فيما بينها وقرّرت إرسال رجلين من قِبلها إلى الحبشة لاسترداد المهاجرين ، ووقع اختيارهم على عمرو بن العاص ، « 1 » فأرسلوا هما إلى النّجاشي بهدايا له ولبطارقته . « 2 » وادّعيا أَمام النّجاشي أنّه قد ضَوى « 3 » إلى بلدك منّا غلمان سفهاء فارقوا دينهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بَعَثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم . . . . فرفض تسليمهم إليهم حتّى يسئلهم عن صحّة ما جاء به عمرو وعمارة . فجاء المسلمون ، فسئلهم . فقال جعفر : « أيّها الملك ! كنّا قوماً أهل جاهليّة ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسىء الجوار ، ويأكل منّا القوي الضعيفَ ، فكنّا على ذلك ، حتّى بعث الله إلينا رسولًا منّا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنّا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرّحم ، وحسن الجوار ، والكفّ عن المحارم والدّماء ؛ ونهانا عن الفواحش ، وقول الزّور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ؛ وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصّلاة ، والزّكاة والصّيام و . . . » . « 4 »

--> ( 1 ) 1 . وقيل : على عمارة بن الوليد ( 2 ) 2 . البطارقة : جمع بطريق والبطريق : القائد من قوّاد الرّوم ، تحت يده عشرة آلاف رجل ( 3 ) 3 . ضوى إليه : انضمّ إليه ولجأوأوى ، وفلانٌ : أتى ليلًا ( 4 ) 4 . ذكرت الزّكاة والصّيام في مختلف المصادر ، فراجع : سيرة ابن هشام ، ج 1 ، ص 360 ، والسيرة النبوية ، لابن كثير ، ج 2 ، ص 21 ، والكامل لابن الأثير ، ج 2 ، ص 80 ( ولم يذكر الزكاة ) وإعلام الورى ، ص 44 ( ولم يذكر الصيام ) والبداية والنهاية ، ج 3 ، ص 74 وتاريخ الخميس ، ج 1 ، ص 290 ، وحلية الأولياء ، ج 1 ، ص 114 ، والسيرة الحلبيّة ، ج 1 ، ص 340 . قد شكّك البعض في صحّة هذه الرّواية ، وذلك لذكر الصّيام فيها ، وهو إنّما شرع في المدينة ( ذكره أحمد أمين في فجر الاسلام ، ص 76 ولعلّه اقتبسه من السيرة الحلبِيّة ، ج 1 ، ص 339 ) ولكنّه كلام باطل ؛ فإنّ الصّيام والزّكاة وغير ذلك كلّه قد شرع في مكّة . ومنشأ هذه التّحقيقات الرّشيقة ! ! لأحمد أمين ومن هم على شاكلته ، إنّما هو التّشكيك في موقف يُظهر بطولة جعفر ، وجرأته وحكمته وعقله ودرايته . وقد ابتلى جعفر بمثل هذا الإجحاف في حقّه في مورد آخر ، وهو كونه الأمير الأول في غزوة مؤتة كما سيأتي فإنّ لهم اهتماماً خاصّاً في إبعاد جعفر عن هذا المقام والتّأكيد على أنّ الأمير الأول هو زيد بن حارثة . كلّ ذلك من أجل أخوّته لعلي ( ع ) وقرابته منه .